المقريزي
256
المقفى الكبير
الفضل ما ليس في أحمد بن شيخ . وكتب فيه أيضا أحمد بن محمد بن مدبّر ، وهو على خراج مصر ، وشقير الخادم متولّي البريد بمصر في معنى هذا . فورد على أحمد بن طولون من الحضرة كتاب : أمّا بعد ، فإنّا رأينا أن نردّ إليك أمر دارنا بالحضرة وتدبير مملكتنا . فإذا قرأت هذا فاستخلف على قصرك من أحببت ، والبلد لك وباسمك ، واشخص إلينا فيما ندبناك إليه ورأيناك أهلا له ، والسلام . فلمّا قرأ أحمد بن طولون الكتاب ، عرف بما فيه من الدهاء والذكاء وغزارة العقل وقوّة الحزم ، أنّها حيلة عليه حتى يقع في القبضة . فأنفذ كاتبه أبا عبد اللّه أحمد بن محمد الواسطيّ إلى الحضرة ومعه مال كثير إلى الوزير الحسن بن مخلد ، وأضاف مع المال شيئا من دقّ تنيس ودمياط وكثيرا من الخيل والبغال والطرف ، وكتب إليه يسأله أن تشمله عنايته في الإقامة على عمله ، وأن يطلق له ولده وحرمه . فلمّا وصل ذلك إلى الحسن قال : ما نزعجه عن عمله ولا نقبل فيه قول ساع يسعى فيه . وركب هو ويارجوخ صاحب أحمد بن طولون وأبو امرأته إلى أمير المؤمنين المعتمد على اللّه ، وأحسنا القول في أحمد بن طولون وصغّرا ما كتب به مأجور وابن مدبّر وشقير . فأمر بتثبيت عمله في يده . فكتب إليه الوزير الحسن بن مخلد بذلك وأطلق له حرمه وولده ، فقدم عليه بهم الواسطيّ ، فسرّ بذلك سرورا كثيرا ، وتصدّق بصدقات جليلة المقدار ، وحمل إلى الحسن هدايا سنيّة ومالا كثيرا ، [ 519 أ ] وكتب يشكره على ما كان منه ويستدعي بالكتب التي كتبت في حقّه . فلمّا ملأ عيّن الحسن وقلبه أنفذ الكتب إليه . فلهذا لحق الحسن بأحمد بن طولون واختاره . [ تولّيه الخراج بمصر ] قال الصوليّ : لمّا قدم الحسن بن مخلد على أحمد بن طولون رأى منه ما لم ير مثله قطّ من الفهم والدراية بأمور الدنيا ، فحظي عنده وقرّر أن يستكتبه وقال له : انظر في الأعمال بمصر . فنظر فيها فضمن له زيادة ألف ألف دينار في ارتفاعها ، على أن يكون العدل أفشى والناس أرضى . فخافه الكتّاب فدسّوا إلى ابن طولون من قال له : هذا عين للناصر أبي أحمد الموفّق عليك . - فحبسه وعذّبه إلى أن قتله . وما وثق الكتّاب بحبسه بمصر وخافوا أن يحتاج إليه حتّى قالوا : من حقّ هذا أن يحبس في غير مصر ، فإن حدث به حادث لم يكن في جوار الأمير ولا ينسب إلى أفعاله . فأنفذه إلى أنطاكية وتقدّم إلى صاحبه بها أن يعذّبه ، فمات في الحبس بأنطاكية في سنة تسع وستّين ومائتين . وذكر عبيد اللّه بن أحمد بن أبي طاهر أنّه مات بحبس ابن طولون بمصر في صفر سنة إحدى وسبعين ومائتين . وذكر غيرهما أنّه مات في سجنه بأنطاكية يوم الأحد لخمس خلون من شعبان سنة سبع وستّين ومائتين . [ سبب تنكّر ابن طولون له ] وذكر أحمد بن يوسف الكاتب في سيرة ابن طولون أنّ أحمد بن طولون لمّا وصل إليه الحسن بن مخلد أظهر إكرامه وإعزازه والتجمّل به والتشرّف . ولم يزل عنده على هذه الحال إلى أن تأمّل أحمد بن طولون منه أنّه يرى أنّ فعله ذلك به لاستحقاق و [ هو ] فرض واجب عليه ، وأقبل يتبسّط المتبوع من التابع ، إدلالا واطّراحا للهيبة ولتوفية الحقّ . فأحفظه ذلك عليه ، وكان ينادمه ، فحضر يوما محبوب بن رجاء معه بحضرة